سقوط "الأزرق الكبير": عندما تلتهم الخوارزمية إرث العقود
IBM fall 13% in one day
لطالما اعتُبرت شركة IBM “الحصن المنيع” للاقتصاد العالمي؛ فهي العمود الفقري الذي تستند إليه البنوك الكبرى، وشركات التأمين، والمؤسسات الحكومية التي لا تزال تعمل بأنظمة برمجية تعود إلى الستينات والسبعينات.
لكن في ٢٣ فبراير ٢٠٢٦، حدث ما لم يكن في حسبان أكثر المحللين تشاؤماً.
إعلان واحد من شركة “أنثروبيك” (Anthropic) كان كفيلاً بتبخير ٣٠ مليار دولار من القيمة السوقية لـ IBM في ساعات معدودة، في مشهد يعيد تعريف مفهوم “الدمار الخلاق” في عصر الذكاء الاصطناعي.
لحظة الارتطام: ما الذي أعلنه “كلود”؟
الأزمة بدأت مع إطلاق خاصية جديدة من أداة “Claude Code”، الفكرة هنا أن هذه الخاصية ليست مجرد مساعد برمجي عادي مثل ما اعتدناه مؤخرا من الذكاء الصناعي.
الميزة القاتلة التي فجرت الذعر هي قدرة هذه الأداة الفائقة على تحويل لغة “كوبول” (COBOL) القديمة والمترهلة إلى لغات برمجية حديثة بكفاءة مذهلة ودقة متناهية.
لماذا هذا الإعلان تحديداً يمثل طعنة في قلب IBM؟
لأن IBM تسيطر على سوق “تحديث الأنظمة الموروثة” (Legacy Modernization).
مليارات الدولارات من تدفقات IBM المالية تأتي من عقود صيانة وتحديث هذه الأنظمة التي تدير حركة الأموال العالمية. عندما يأتي ذكاء اصطناعي ليقوم بهذه المهمة المعقدة في دقائق وبكسر بسيط من التكلفة، فإن النموذج الربحي لـ IBM بالكامل يصبح مهدداً بالزوال.
هلع الأسواق: قراءة في سيكولوجيا الانهيار
السوق لا يتفاعل فقط مع الأرقام، لكنه يقرأ “التوقعات المستقبلية”.
هبوط السهم بنسبة تجاوزت ١٣٪ في يوم واحد -وهو الأسوأ منذ ٢٦ عاماً- يعكس قناعة المستثمرين بأن ميزة IBM التنافسية قد اختُرقت.
المستثمر المؤسسي يرى اليوم أن الحاجة لجيوش المبرمجين والاستشاريين الذين كانت IBM توفرهم لفك شفرات الأنظمة القديمة قد تلاشت. الهلع الذي أصاب الأسواق لم يكن بسبب خسارة ربع سنوية، بل بسبب إدراك فجائي بأن “الخندق المائي” (Moat) الذي كانت IBM تختبئ خلفه لسنوات قد جف تماماً أمام فيضان الابتكار من شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة.
تسلسل الأحداث: من الاستقرار إلى العاصفة
١. صباح ٢٣ فبراير: إعلان “أنثروبيك” عن قدرات “Claude Code” في تبسيط وتحديث لغة COBOL بشكل آلي.
٢. منتصف اليوم: بدأت منصات التداول تلاحظ تسييلاً كبيراً لسهم IBM مع انتشار الخبر بين الأوساط التقنية والمستثمرين.
٣. الإغلاق: سهم IBM يسجل انخفاضاً حاداً بنسبة ١٣٪، وفقدان أكثر من 1.2 تريليون دولار من القيمة السوقية الإجمالية للسوق الأمريكي بسبب مخاوف مماثلة تتعلق بتأثير الذكاء الاصطناعي على شركات التكنولوجيا التقليدية.
المحرك الخفي: نهاية عصر “الاحتكار المعرفي”
إن ما نعيشه اليوم هو انتقال السلطة من “الشركات التي تملك المعرفة التاريخية” إلى “النماذج التي تملك القدرة على التحليل اللحظي”. IBM كانت تحتكر المعرفة بكيفية عمل الأنظمة القديمة، وكانت تتقاضى مقابل ذلك مبالغ طائلة. اليوم، الذكاء الاصطناعي كسر هذا الاحتكار.
سوق البرمجيات الآن يمر بمنعطف تاريخي؛ حيث لم تعد الخبرة البشرية التراكمية في لغات ميتة مثل COBOL ميزة تنافسية، بل أصبحت عبئاً.
الشركات التي تعتمد في أرباحها على “بطء التحول الرقمي” هي أول ضحايا هذه الموجة. الذكاء الاصطناعي لا يسرق الوظائف فحسب، بل يسرق “النماذج الربحية” التي استقرت لعقود.
الأثر على خارطة التكنولوجيا
سقوط IBM ليس حدثاً معزولاً، بل هو إنذار لكل شركات الخدمات التقنية التقليدية. إذا كان بإمكان خوارزمية أن تعيد كتابة إرث برمجي عمره ٥٠ عاماً في ساعات، فما هو مصير شركات الاستشارات التقنية؟ وما هو مصير الميزانيات الضخمة التي كانت تُرصد للتحول الرقمي؟
نحن ندخل عصراً حيث القيمة تُخلق من “الابتكار الرأسي” وليس من “الصيانة الأفقية”. الأسواق بدأت تدرك أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة مساعدة، بل هو “منافس مباشر” لأكبر شركات التكنولوجيا في العالم.
الدرس القاسي للمستثمر
ما حدث لـ IBM هو تذكير صارم بأن الأمان الاستثماري في شركات “البلو شيب” (Blue Chip) التقليدية هو وهم في زمن القفزات النوعية للذكاء الاصطناعي. عندما يتغير المحرك التقني للعالم، يجب أن تتغير معه نظرتنا للمخاطر.
الرهان اليوم ليس على من يملك “الإرث”، بل على من يملك “القدرة على محوه وإعادة بنائه” بأقل تكلفة ممكنة. الـ ١.٢ تريليون دولار التي تبخرت بالأمس من الأسواق هي ثمن اليقظة المتأخرة لهذا الواقع الجديد.
والآن، السؤال الذي يطرح نفسه بوضوح:
هل انتهى زمن شركات الخدمات التقنية الضخمة؟
وهل سنرى IBM تتحول إلى مجرد ذكرى مثل “نوكيا” و”كوداك”؟
شاركني تحليلك وتوقعاتك في التعليقات.



