المحرك الحقيقي للحرب: ما وراء الصدام الأمريكي الإيراني
لم يكن انهيار مفاوضات جنيف الأخيرة إلا الشرارة التي أشعلت فتيلاً ظل يحترق ببطء لعقود.
حين قصفت الولايات المتحدة وإسرائيل أهدافاً داخل إيران، لم يكن التحرك مجرد رد فعل لحظي، بل كان إقراراً بفشل المسار الدبلوماسي في تفكيك منشآت حيوية مثل “فوردو” و”نطنز”. من وجهة نظر واشنطن، اقتراب مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% من عتبة السلاح النووي يعني ضيق “نافذة المنع” إلى حدها الأدنى. إيران ترى في تفكيك هذه المنشآت انتهاكاً لسيادتها، بينما يرى الغرب في بقائها تهديداً وجودياً للتوازن العالمي.
هذا هو التفسير المباشر، لكن القصة أعمق بكثير.
الجذور التاريخية: من الحليف إلى الخصم اللدود
الصراع الحالي ليس وليد الأسبوع الماضي، بل هو امتداد لزلزال عام 1979.
قبل ذلك التاريخ، وتحديداً في عام 1953، تدخلت المخابرات المركزية الأمريكية لدعم انقلاب أعاد الشاه إلى السلطة بعد تأميم النفط الإيراني، لتبقى طهران حليفاً استراتيجياً لعقود.
ومع قيام الثورة الإسلامية، تحولت إيران من ركيزة للأمن الأمريكي في المنطقة إلى خصم مباشر. منذ أزمة الرهائن وقطع العلاقات الدبلوماسية، دخل الطرفان في حرب استنزاف باردة، تمددت فيها النفوذ الإيراني عبر لبنان وسوريا والعراق وصولاً إلى اليمن، مما خلق طوقاً تراه إسرائيل تهديداً أمنياً مباشراً، وتصنفه واشنطن كعنصر لزعزعة استقرار الشرق الأوسط.
معضلة الطاقة: شريان العالم في قبضة الصراع
خلف الخطابات السياسية والبرامج النووية، تكمن الحقيقة الهيكلية: النفط والغاز.
تمتلك إيران قرابة 208 مليار برميل من النفط، وحوالي 1200 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وهي أرقام تجعلها لاعباً لا يمكن تجاوزه في أمن الطاقة العالمي. والأهم من المخزون هو الموقع؛ حيث تطل إيران على مضيق هرمز، الممر الذي يتدفق عبره أكثر من 20% من إمدادات النفط العالمية يومياً.
امتلاك إيران لردع نووي يعني ببساطة امتلاكها قدرة أكبر على التحكم في تدفقات الطاقة الدولية، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على معدلات التضخم العالمية، تكاليف الشحن، استقرار العملات، وحتى سياسات البنوك المركزية الكبرى.
الأسواق لا تتفاعل مع أصوات الانفجارات فحسب، بل تتحسب لإعادة تشكيل خارطة القوة الاقتصادية.
المواجهة المفتوحة: تداعي أحجار الدومينو في الخليج
انتقلت الحرب من الظل إلى العلن بشكل كامل.
الرد الإيراني الذي استهدف قواعد عسكرية أمريكية في قطر والكويت والإمارات والبحرين والأردن، نقل الأزمة من صراع ثنائي إلى أزمة إقليمية شاملة.
في المقابل، جاء موقف دول الخليج وعلى رأسها السعودية حازماً في إدانة الهجمات الإيرانية والتضامن مع الدول المستهدفة، معلنة وضع إمكاناتها للدفاع عن السيادة. نحن الآن أمام مشهد يعيد رسم التحالفات في المنطقة، ويضع الجميع أمام خيار المواجهة المفتوحة التي قد تغير موازين القوى لسنوات طويلة قادمة.
ختاماً: البرنامج النووي هو الذريعة المباشرة، والتوازن الإقليمي هو الطبقة الاستراتيجية، أما السيطرة على موارد الطاقة فهي المحرك الهيكلي العميق.
ما يحدث الآن ليس مجرد جولة قتالية، بل هو مخاض عسير لنظام إقليمي جديد؛ فإما أن يؤدي التصعيد إلى حرب واسعة تعيد صياغة الحدود والتحالفات، أو ينتهي بفرض واقع جيوسياسي يغير وجه الشرق الأوسط للأبد.
ما نراه اليوم هو اللحظة التي قرر فيها التاريخ أن يتوقف عن الهمس ويبدأ بالصراخ.



