كيف يخطط ترامب صراعاته؟ | خريطة المستثمر لتحقيق أعلى عائد.
الحرب على إيران تتصاعد.
وإذا كنت مستثمراً أو تتابع الأسواق المالية، فأنت بحاجة ماسة الآن إلى دليل واضح.
لا للأخبار، بل لفهم ما سيأتي بعدها.
قضينا الـ 12 شهراً الماضية في تحليل كل صراع جيوسياسي خاضه ترامب، دون استثناء. الحروب التجارية، التصعيد العسكري، الضغط الدبلوماسي على الحلفاء والخصوم على حدٍّ سواء.
والسؤال الذي كان يشغلنا دائماً: ما الذي سيأتي بعد ذلك؟ وما تأثيره على الأسواق المالية؟
اليوم نشاركك الإجابة.
في السابع عشر من يناير 2026، نشرنا أول “كتاب لعب” أسميناه “كتاب اللعب التجاري”
وذلك حين بدأ ترامب يصعّد ضغوطه الجمركية على الاتحاد الأوروبي، في خضم مساعيه للاستحواذ على غرينلاند. ذلك التحليل انتهى بتوقع مسار الحرب التجارية يوماً بيوم، بدقة لم نتوقعها نحن أنفسنا.
فكيف عرفنا؟
منذ تنصيب ترامب رئيساً في العشرين من يناير 2025، أمضينا مئات الساعات في تتبع وتحليل تصريحاته وتحركاته على الساحتين الجيوسياسية والتجارية. ومن خلال هذا البحث المعمّق، تمكنّا من رصد نمط واضح ومتكرر في أسلوبه التفاوضي — سواء مع أعداء أمريكا أو حلفائها — حين يسعى إلى تحقيق هدف اقتصادي أو عسكري بعينه.
اعتمدنا على هذا النمط طوال عام 2025 ومطلع 2026 ركيزةً أساسية في استراتيجيتنا الاستثمارية.
واليوم، آن الأوان لمشاركة هذه الاستراتيجية مع العالم.
هذا المقال هو دليلك للأسبوعين إلى الأربعة أسابيع القادمة في الأسواق.
الخطوة الأولى: كل صراع يبدأ بنفس الطريقة
الحرب على إيران لم تبدأ في الثامن والعشرين من فبراير.
بدأت قبل ذلك بأكثر من شهرين.
هذا هو أول ما يجب أن تفهمه في أسلوب ترامب: الضربة العسكرية ليست البداية، بل هي نهاية مرحلة طويلة من الضغط المتصاعد.
في الأسابيع التي سبقت الحرب، نشر ترامب تغريدات متكررة يعلن فيها أن “أسطولاً ضخماً في طريقه إلى إيران”، وفي كل مرة كان يختم رسالته بالدعوة ذاتها: “أبرموا صفقة.”
هذا ليس تصعيداً عشوائياً. هذا ضغط مقصود، مدروس، ومُوقَّت بعناية.
الحرب على إيران هي أضخم صراع عسكري يخوضه ترامب في ولايته الثانية.
لكن إذا نظرت بعمق إلى الأسابيع الست أو الثماني الأخيرة، ستكتشف أن الاستراتيجية المتبعة هي نفسها تماماً — لم تتغير حرفاً واحداً عما رأيناه في حروبه التجارية، وحتى في عملية القبض على الرئيس مادورو.
ليس تشابهاً في التفاصيل العسكرية، بل تطابقاً في المنطق التفاوضي الكامن خلف كل خطوة.
خذ مثلاً ما حدث في التاسع والعشرين من نوفمبر، حين أعلن ترامب إغلاق المجال الجوي فوق فنزويلا بالكامل. توقف عند هذا التاريخ جيداً. كان ذلك قبل أكثر من شهر كامل من لحظة القبض على مادورو.
الرسالة كانت واضحة قبل التنفيذ بوقت طويل. من يعرف النمط، يقرأ المشهد قبل أن يكتمل.
المشهد تكرر مرة أخرى مع غرينلاند.
بين الأول والثامن عشر من يناير، نشر ترامب تغريدات متعددة يعلن فيها أن “الوقت قد حان” للاستحواذ على غرينلاند، مهدداً الدنمارك في كل مناسبة. الجميع سمع التهديدات، لكن قلة أخذتها على محمل الجد.
بعدها بأيام قليلة، فرض ترامب رسوماً جمركية شاملة على الاتحاد الأوروبي بأسره.
التهديد لم يكن استعراضاً. كان إنذاراً أخيراً.
إذن الخطوة الأولى في طريقة ترامب واضحة وثابتة:
الضغط اللفظي على الهدف، حتى يجلس على طاولة المفاوضات.
الكلمات أولاً — والباقي يأتي لاحقاً.
الخطوة الثانية: التموضع الاستراتيجي وإظهار القوة
بعد الضغط اللفظي، تأتي الخطوة التي تحول الكلام إلى واقع ملموس.
الخطوة الثانية في كتاب ترامب هي التموضع الاستراتيجي المرئي.
تحركات يراها الجميع، لكنها لا تُشعل المواجهة الكاملة بعد. هدفها الوحيد: إثبات أن التهديد ليس مجرد كلام.
في الحرب على إيران، تجلّى ذلك في إعادة انتشار القوات العسكرية، وتنسيق التحالفات على الملأ، وإرسال الأسطول الضخم إلى الشرق الأوسط.
في فنزويلا، سبق إغلاق المجال الجوي وتحريك القوات الإقليمية عملية اعتقال مادورو بوقت طويل.
وفي الحروب التجارية، جاءت التحقيقات الرسمية، ومراجعات السياسات التجارية، والإشعارات العلنية، كلها قبل أن تُفرض أي رسوم جمركية فعلية.
الأمر لا يقتصر على الصراعات الكبرى وحدها. حتى في معاركه مع الشركات تجد النمط ذاته.
في الحادي عشر من أغسطس 2025، التقى ترامب بالرئيس التنفيذي لشركة إنتل ليب-بو تان. لكن قبل أيام من ذلك اللقاء، نشر ترامب تغريدة يصف فيها تان بأنه “متضارب المصالح بشدة، ويجب أن يستقيل فوراً. لا يوجد حل آخر.”
التهديد أولاً. ثم اللقاء. ثم الصفقة.
النمط واحد في كل مرة.
بعدها بأيام، أعلنت إدارة ترامب عن “صفقة” للاستحواذ على 10% من شركة إنتل.
النتيجة؟ عائد يتجاوز 80% في أقل من شهرين.
من فهم النمط مبكراً، ركب الموجة قبل أن يدركها السوق.
هدف ترامب في كل مرة هو الوصول إلى الصفقة.
أحياناً تنتهي الأمور هنا، عند الخطوة الثانية.
التهديد يؤدي مهمته، والضغط يُثمر، والصراع يُحسم دون الحاجة إلى مزيد من التصعيد.
لكن حين لا يجلس الطرف الآخر على طاولة المفاوضات، ينتقل ترامب إلى مرحلة مختلفة تماماً.
الخطوة الثالثة: ضربة ليلة الجمعة
حين لا تُجدي الضغوط الأولية نفعاً، ينتقل ترامب إلى مرحلة مختلفة تماماً.
القوة الفعلية، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية.
لكن ما يميز هذه المرحلة ليس فقط طبيعة الضربة، بل توقيتها.
واحد من أكثر العناصر التكتيكية ثباتاً في نمط ترامب هو اختيار التوقيت بعناية فائقة. الإعلانات الكبرى، الضربات الحاسمة، التحولات المفاجئة في السياسات. كلها تحدث في الغالب في وقت متأخر من ليلة الجمعة، بعد إغلاق أسواق الأسهم، وقبل أن تتشكل السيولة الكاملة في أسواق العقود الآجلة.
لماذا؟
لأن ترامب يدرك جيداً أن التحركات الحادة في الأسواق المالية لها تداعيات سياسية لا يريدها.
حين تنفجر أحداث جيوسياسية كبرى خلال ساعات التداول الرسمية، تتحول الأسواق إلى فوضى فورية. السيولة تتبخر، الخوارزميات تُضخّم التقلبات، والتأرجح الحاد في الأسعار يولّد موجة من الذعر تتغذى على نفسها.
أما إعلان ليلة الجمعة، فيمنح المستثمرين والمؤسسات والحكومات عطلة نهاية أسبوع كاملة لاستيعاب المعطيات، وتقييم المخاطر، واستشارة الخبراء، وبناء سيناريوهات واضحة — قبل أن تفتح الأسواق من جديد.
انظر إلى هذه القائمة، ولاحظ التكرار:
الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية — 21 يونيو
الضربات العسكرية الأمريكية على زوارق المخدرات في البحر الكاريبي — 1 سبتمبر
التهديد بفرض رسوم جمركية 100% على الصين — 10 أكتوبر
إغلاق المجال الجوي فوق فنزويلا — 29 نوفمبر
العملية العسكرية في نيجيريا — 25 ديسمبر
الضربات الجوية الأمريكية على إيران — 28 فبراير
في كل مرة، الجمعة. في كل مرة، بعد إغلاق الأسواق.
في الحرب على إيران، كانت تلك اللحظة هي الثامن والعشرون من فبراير. وعادةً ما يبدأ ترامب بالإيحاء بـ”صفقة” قبل فتح أسواق العقود الآجلة يوم الأحد من الأسبوع ذاته.
هذه المرة، لم يحدث ذلك.
وهذا ما يقودنا إلى الخطوة الرابعة.
الخطوة الرابعة: توسيع علاوة المخاطر عبر كل فئات الأصول
في أعقاب الضربة المفاجئة، تفتح أسواق العقود الآجلة يوم الأحد عند الساعة السادسة مساءً بتوقيت نيويورك على تحركات عنيفة في أسعار الأصول.
لكن الأسواق لا تصدق أن الصراع سيطول.
والسبب بسيط: الجميع يعرف أن ترامب في النهاية يريد الصفقة.
هذه القناعة الراسخة في أذهان المتداولين تجعل التحرك الأولي في الأسهم والسلع والسندات ينعكس جزئياً. أو كلياً في بعض الأحيان — قبل أن تفتح أسواق الأسهم الرسمية يوم الاثنين.
انظر إلى ما حدث في أسعار النفط الخام ومؤشر S&P 500 يوم الثاني من مارس. أي قبل يوم واحد فقط من كتابة هذا التحليل.
أسعار النفط الخام تراجعت وأعادت ما يقارب 70% من مكاسبها الأولية، بل إن مؤشرإس آند بي 500 تحول إلى المنطقة الخضراء في اليوم السابق.
لكن اليوم، انعكست تلك التحركات بالكامل. مستويات جديدة من الارتفاع في النفط، ومستويات جديدة من الانخفاض في الأسهم.
لماذا؟
لأن ترامب يعرف أن الجميع يعرف أنه يريد الصفقة. وهذا بالضبط ما يجعله يُبقي على التصعيد. حتى وهو يرى الأسواق تُسعّر صراعاً قصير الأمد.
السوق يراهن على انتهاء سريع. وترامب يراهن على صبر الطرف الآخر.
والآن، تبدأ الخطوة الخامسة.
الخطوة الخامسة: ترامب يلوّح بحرب “إلى الأبد”
حين يشتري المستثمرون الانخفاض على أمل أن يتراجع ترامب، يأتيهم ما لم يتوقعوه.
الأسواق تترقب تخفيفاً في حدة اللهجة. الجميع يظن أن التصعيد بلغ ذروته، وأن الضغط سيبدأ بالانحسار. لكن يحدث العكس تماماً.
في الثاني من مارس، صرّح ترامب صراحةً بأن “الحروب يمكن أن تُخاض إلى الأبد”، وأن الولايات المتحدة تمتلك “أسلحة متوسطة وعالية المستوى بلا حدود.”
توقف عند كلمة “الأبد” — فهي ليست تعبيراً عن نية حقيقية، بل هي أداة تفاوضية مقصودة.
ترامب لا يريد حرباً أبدية. لكنه يريد أن يُثبت للطرف الآخر أنه قادر على الصمود إن اضطر لذلك. رسالة واضحة مُغلّفة بلغة التصعيد: الباب مفتوح للصفقة، لكن الثمن يرتفع كل يوم.
منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب بين أمريكا وإسرائيل وإيران — بل وقبلها — كان موقفنا ثابتاً: ترامب لن يستفيد من حرب مطوّلة.
وهذا الموقف لم يتغير، على الرغم من كل الحديث عن حرب “إلى الأبد.”
لماذا؟
لأن ثلاثة من أولويات ترامب السياسية الكبرى تتناقض تناقضاً مباشراً مع أي صراع طويل الأمد:
أن يُعرَّف في التاريخ بأنه “رئيس السلام”، والقضاء على التضخم، وخفض أسعار البنزين إلى دولارين للغالون.
حرب مطوّلة مع إيران ستسير في الاتجاه المعاكس تماماً لكل هذه الأهداف — وتحديداً في هذا التوقيت الحساس، في عام انتخابات التجديد النصفي.
الحسابات السياسية والاقتصادية تشير في اتجاه واحد: الصفقة أفضل من الحرب.
الخطوة السادسة: الأسواق تبدأ بتسعير صراع طويل الأمد
في يوم، الثالث من مارس، بدأت الخطوة السادسة.
النفط الخام برنت يتجاوز 85 دولاراً للبرميل للمرة الأولى منذ ما يقارب عامين. أسواق الأسهم الأمريكية محت كل مكاسبها وسجّلت أدنى مستوياتها في الأسبوع. التدافع نحو الجانب الآمن تسارع بشكل لافت. ومؤشر داو جونز يهوي أكثر من 1100 نقطة في يوم واحد.
الأسواق لم تعد تراهن على نهاية سريعة.
سوق الأسهم يوم ٣ مارس
عند هذه المرحلة، لم تعد الأسواق تتحدث عن مواجهة رمزية عابرة.
النفط فوق 85 دولاراً لا يُسعّر توتراً لنهاية الأسبوع. يُسعّر مخاطر سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف تأمين ناقلات النفط، واحتمال الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز. وأسواق الأسهم التي تكسر مستويات جديدة نحو الأدنى لا تتفاعل مع خبر عابر — بل تتفاعل مع خطر الاستمرار والإطالة.
وهذا بالضبط هو التحول النفسي الذي صُمِّمت استراتيجية ترامب لإنتاجه.
الانخفاض الأول يُشترى، لأن المستثمرين يظنون أن الصفقة في الطريق.
الانخفاض الثاني يُشترى، لأنهم يظنون أن التصعيد مؤقت.
أما الانخفاض الثالث — فهو حين يبدأ المشهد في التغير هيكلياً، وتتحول مواقع المستثمرين من التفاؤل إلى الحذر الحقيقي.
الخطوة السابعة: إشارات التهدئة المشروطة
قبل أن نشرح هذه الخطوة، لا بد من تأكيد أمر جوهري: المسافة الزمنية بين الخطوة السادسة والسابعة متغيرة للغاية ولا يمكن تحديدها مسبقاً بدقة.
في حرب الرسوم الجمركية مطلع 2025، استغرقت هذه المرحلة أشهراً عدة قبل أن يُعلن ترامب “تجميد” الرسوم في التاسع من أبريل — وكان المحرك الرئيسي هو الارتفاع الحاد والمتسارع في عوائد السندات التي بدأت تُهدد استقرار الأسواق.
دائماً ما يكون هناك محفّز يدفع ترامب للتراجع خطوة إلى الوراء. أحياناً يكون الطرف المستهدف هو من يطلب الجلوس على طاولة المفاوضات. وأحياناً يكون شيء ما في الأسواق على وشك الانكسار.
لكن في كلتا الحالتين، المحفّز يأتي — والتهدئة تبدأ.
حين تتوسع علاوة المخاطر بشكل ملموس عبر الأسهم والسلع وأسواق الدخل الثابت، يبدأ ترامب تاريخياً في إدخال لغة تهدئة مُحسوبة بعناية فائقة.
لكن لا تخطئ في قراءة المشهد — هذا لا يشبه التراجع أبداً.
في الحرب على إيران، سيتجلى ذلك إما في سقوط الحكومة الإيرانية، أو في انكسار شيء ما ذي طابع هيكلي في الاقتصاد الأمريكي أو الاقتصاد العالمي.
اللغة تتحول تدريجياً نحو الحل المشروط. التصريحات تبدأ بالتأكيد على أن المفاوضات ممكنة إذا استُوفيت شروط بعينها. الإشارات إلى المحادثات والأطر التفاوضية تتسلل بهدوء إلى المشهد. هذه المرحلة مصممة لاختبار الطرف الآخر والأسواق في آنٍ واحد، دون التخلي عن أي ورقة ضغط.
الأمثلة الأخيرة تقول كل شيء:
صفقة الرسوم الجمركية مع الصين في أكتوبر 2025، وصفقة غرينلاند مع الاتحاد الأوروبي في يناير 2026، والاتفاقية التجارية مع الهند في التاسع من فبراير.
كل هذه الصفقات بدأت بتهديد، تحوّل إلى فعل، تصاعد إلى مضاعفة الضغط، ثم انتهى بالتهدئة.
النمط واحد. في كل مرة.
الخطوة الثامنة: حلقة التغذية الراجعة بين الأسواق والسياسة
واحد من أكثر عناصر هذه الاستراتيجية إغفالاً هو أن الأسواق المالية نفسها صارت جزءاً من بيئة التفاوض.
ترامب لا يتجاهل الأسواق — بل يراقبها عن كثب. أداء أسواق الأسهم، وأسعار الطاقة، وتوقعات التضخم، كلها مكونات أساسية في حساباته السياسية.
صراع مطوّل يدفع أسعار النفط للارتفاع الحاد سيصطدم مباشرة بثلاث أولويات محورية لترامب: أن يُقدَّم للتاريخ بصورة الزعيم الساعي للسلام، وكبح التضخم، وخفض أسعار البنزين.
ارتفاع تكاليف الطاقة ينعكس فوراً على ثقة المستهلك وبيانات التضخم، وهو ما يؤثر بدوره على المعادلة الانتخابية في عام التجديد النصفي.
الأرقام هنا لا تترك مجالاً للتأويل.
وفق تقديرات بنك جي بي مورجان، فإن إغلاق مضيق هرمز قد يدفع أسعار النفط إلى ما بين 120 و130 دولاراً للبرميل. وهذا يعني ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك الأمريكي CPI إلى ما يقارب 5%.
آخر مرة رأينا فيها التضخم الأمريكي عند هذا المستوى كانت في مارس 2023 — حين كان الفيدرالي يرفع أسعار الفائدة بقوة وعدوانية.
ترامب يعرف هذا. وهذه المعرفة هي ورقة الضغط الحقيقية على نفسه قبل أن تكون على خصومه.
في المشهد الراهن، ثلاثة مؤشرات تستحق المتابعة الدقيقة:
برنت يستقر فوق 90 دولاراً للبرميل بشكل مستدام — هذا سيُشعل مخاوف التضخم من جديد.
أسواق الأسهم تهبط 5% أو أكثر — هذا سيُحدث تحولاً جوهرياً في معنويات المستثمرين.
وأسعار البنزين ترتفع أكثر من 10% — هذا سيُجهز على ثقة المستهلك تماماً.
حين تقترب هذه المؤشرات من عتباتها الحرجة، تتصاعد احتمالية ظهور عناوين التفاوض بشكل ملحوظ.
وهنا تحديداً — عند انهيار معنويات صغار المستثمرين — يبدأ الأموال الذكية في الشراء.
ليس قبلها. وليس بعدها.
عند هذه اللحظة بالذات.
الخطوة التاسعة: الصفقة وصياغة الرواية
في الحرب على إيران، هذه الخطوة مشروطة.
إذا انهارت الحكومة الإيرانية، ستُعلن أمريكا وإسرائيل أن المهمة أُنجزت والأهداف العسكرية تحققت — وهنا ينتهي كتاب اللعب قبل أن يصل إلى هذه المرحلة. أما إذا لم يحدث ذلك، فالمسار يكمل.
كل مواجهة كبرى في هذا الإطار تنتهي بنتيجة تفاوضية مُقدَّمة على أنها انتصار استراتيجي. شكل الاتفاق يتغير بحسب السياق، لكن الرواية تبقى واحدة دائماً: الضغط الأقصى أنتج تنازلات.
في الحروب التجارية، قُدِّمت الاتفاقيات دليلاً على أن التصعيد أثمر ميزة اقتصادية — الصين، الاتحاد الأوروبي، الهند، فيتنام، اليابان. في المواجهات مع الشركات، سبق الضغط العلني التوصل إلى حصص تفاوضية وتعديلات هيكلية — كما في صفقتي Intel والمعادن النادرة. وفي النزاعات الجيوسياسية، جاءت اتفاقيات وقف إطلاق النار والأطر الأمنية شاهدةً على أن القوة أجبرت الخصم على الحل.
الغلاف يختلف في كل مرة. لكن المضمون واحد.
إذا سار الصراع مع إيران على النهج المعتاد، فإن الحل لن يأتي إلا بعد أن يُثبت ترامب أنه يمتلك أوراق ضغط كافية لا يمكن تجاهلها.
قد يأخذ شكل وقف إطلاق نار مرتبط بتنازلات نووية، أو ترتيب أمني إقليمي بآليات تنفيذ صارمة، أو حزمة تعديلات على العقوبات مشروطة بمعايير امتثال محددة.
التفاصيل الهيكلية للاتفاق أقل أهمية مما يبدو.
المهم هو التوقيت. والمهم هو الرواية.
الخطوة العاشرة: إعادة التسعير العنيفة ودورة الانتصار السياسي
المرحلة الأخيرة من كتاب لعب ترامب لا تنتهي بإعلان الصفقة.
تنتهي بردّ فعل الأسواق على تلك الصفقة، والرواية التي تُبنى حولها بعدها.
تاريخياً، حين يظهر إطار الحل على السطح، فإن إعادة تسعير الأصول المالية لا تكون تدريجية — بل تكون مفاجئة وعنيفة. والسبب في ذلك هو طبيعة مراكز المستثمرين في تلك اللحظة. حين تصبح المفاوضات مصداقة، يكون معظم المستثمرين قد تحصّنوا دفاعياً. التعرض للطاقة مرتفع، مخاطر الأسهم مخفّضة، والتقلب عالٍ بفعل حالة الغموض الضاغطة.
حين ينهار هذا الغموض فجأة، تنفكّ تلك المراكز بسرعة شديدة.
رأينا هذا في أبريل 2025، وأغسطس 2025، وأكتوبر 2025، ويناير 2026.
في كل مرة، نفس المشهد.
في حلقات الحرب التجارية السابقة، ارتفعت أسواق الأسهم بحدة فور الإعلان عن تعليق الرسوم الجمركية أو التوصل إلى أطر اتفاق — حتى وإن ظلت المشكلات الهيكلية الجوهرية دون حل.
وفي التوترات الجيوسياسية، تراجعت أسعار النفط بشدة حين اتضح أن ممرات الشحن ستعود للعمل وأن التصعيد لن يتسع إقليمياً.
إعادة التسعير تكون عنيفة لأنها لا تنبع من تحسن في الأساسيات الاقتصادية — بل من انهيار مفاجئ في علاوة المخاطر. الأسواق لا تتحرك لأن الأوضاع أصبحت مثالية، بل لأن احتمالات السيناريو الأسوأ تتراجع بشكل درامي.
تسعير “السيناريو الأسوأ” — حتى لفترة وجيزة — جزء لا يتجزأ من استراتيجية ترامب التفاوضية.
موقفنا ثابت ولا يتزعزع:
إذا لم تُفضِ العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية إلى انهيار الحكومة الإيرانية في الأيام أو الأسابيع القادمة، فإن الصفقة ستعود إلى الطاولة.
ترامب لا يريد حرباً أبدية.
لأنها ببساطة لا تحقق له أياً من أهدافه الاقتصادية.
ماذا سيحدث في الأسبوعين إلى الأربعة أسابيع القادمة؟
في هذه اللحظة تحديداً، يبدو أننا نعبر المنطقة الفاصلة بين ذروة خطاب التصعيد والمراحل الأولى للإشارات المشروطة. الأسواق تُسعّر الآن صراعاً أطول مما كانت تتوقعه عند الضربة الأولى.
النفط كسر مستويات جديدة نحو الأعلى، وأسواق الأسهم تخلّت عن كل مكاسب التماسك المؤقتة، وتسارعت التدفقات الدفاعية بشكل ملحوظ.
تاريخياً، هذه هي المرحلة التي يتجذر فيها التشاؤم في مراكز المستثمرين بشكل واسع. لكنها في الوقت ذاته المرحلة التي تتصاعد فيها احتمالات التفاوض بهدوء تحت السطح، وتبدأ فيها الأموال الذكية بالبحث عن الفرص.
والدليل على ذلك يظهر بوضوح في تحركات الذهب والفضة. كلاهما يهبط بحدة — والفضة تتراجع 20% في أقل من 24 ساعة — حتى في وقت تتوسع فيه علاوة المخاطر على نطاق واسع.
هذه إشارة صريحة لا تقبل التأويل: التدافع نحو الجانب الآمن بدأ، والنقد صار الملاذ المفضل للجميع.
الأموال الذكية تراقب هذه التدفقات بعناية.
أخيراً: لا تنسَ الهدف
ثلاثة سيناريوهات تتشكل على الطاولة في الأسابيع القادمة.
السيناريو الأول: يتصاعد التوتر لفترة وجيزة، يرتفع النفط وتهبط الأسهم — ثم يطرأ تحول مفاجئ في اللهجة وتظهر عناوين التفاوض. النتيجة؟ انعكاس حاد في الأسواق حين يتضح أن المراكز الدفاعية كانت مبالغاً فيها.
السيناريو الثاني: الصراع يستمر بشكل محكوم ومتواصل. النفط يبقى مرتفعاً دون قفزة درامية. أسواق الأسهم تتداول بتقلب عالٍ في انتظار الوضوح. الحل يأتي في وقت لاحق من الشهر بعد مرحلة ضغط ممتدة.
السيناريو الثالث: التصعيد يتسع إقليمياً بشكل جوهري، مع اضطراب فعلي في ممرات الشحن أو مواجهة مباشرة تشمل أطرافاً دولية إضافية. هذا سيدفع النفط نحو أرقام ثلاثية ويُجبر الأسواق العالمية على إعادة تسعير أعمق لكل أصول المخاطرة. بالنظر إلى السوابق التاريخية وحساسية هذا العام الانتخابية، نرى هذا السيناريو الأقل احتمالاً — لكنه ليس مستحيلاً.
في النهاية، لا تنسَ حقيقة واحدة راسخة:
كل صراع خاضه ترامب منذ توليه الرئاسة قبل ثلاثة عشر شهراً انتهى بصفقة. كل مرة.
ترامب رجل صفقات في المقام الأول.
افهم النمط، وستجد الفرصة قبل أن يراها السوق.


