الذهب والفضة.. حين تصبح الحرب عدوّاً للملاذ الآمن
حين تخذلك البديهة
في الثامن والعشرين من فبراير 2026، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما على إيران.
الجميع توقع ما يلي: النفط يرتفع. الأسواق تنهار. الذهب يصعد.
هذه هي القاعدة التي حفظناها منذ عقود: حين تشتعل الحرب، يلجأ العالم إلى الذهب.
لكن ما حدث كسر هذه القاعدة أمام الجميع.
الذهب، الذي كان قد سجّل أعلى مستوياته على الإطلاق عند 5,602 دولاراً للأونصة في يناير 2026، بدأ في الانهيار.
سقط الذهب أكثر من 20% منذ بدء الحرب، مسجّلاً أكبر خسارة أسبوعية له منذ عام 1983. Bloomberg
أما الفضة، فوصلت إلى أدنى مستوياتها منذ بداية العام، لتصل إلى أقل من نصف قيمتها يوم بدأت الحرب، حين كانت عند 117 دولاراً. CNBC
كيف تحوّلت الحرب من عامل دعم للمعادن الثمينة إلى عامل هدم؟
هذا ما يستحق الفهم.
أولاً | قصة الذهب قبل الحرب
لفهم ما يجري، لا بد أن نعود قليلاً للوراء.
الذهب والفضة حقّقا في 2025 ارتفاعات قياسية، إذ صعد الذهب 66% والفضة 135% خلال العام. CNBC
كان العالم يعيش حالة من الترقب: تضخم مستمر، بنوك مركزية تشتري الذهب بلا توقف، وتوقعات بخفض الفائدة. كان الذهب في عيون المستثمرين الخيار الأوضح.
ثم جاءت الحرب.
وللوهلة الأولى، فعلت ما هو متوقع منها: دفعت الذهب للصعود.
لكن الارتفاع لم يدم.
ثانياً | لماذا تراجع الذهب رغم الحرب؟
الإجابة في سطر واحد: النفط يرفع التضخم، والتضخم يرفع الفائدة، والفائدة تُضعف الذهب.
ما يحدث هو قصة أسعار فائدة ونفط في الوقت ذاته.
المستثمرون يخشون أن يجمع الاقتصاد العالمي بين تباطؤ في النمو وارتفاع في التضخم، مما يدفع الفيدرالي والبنوك المركزية الأخرى نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً. Yahoo Finance
الفيدرالي الأمريكي ثبّت الفائدة، وأشار إلى “حالة عدم يقين” ناجمة عن الصراع.
وكذلك فعل بنك اليابان وبنوك مركزية أوروبية عدة، التي رأت أن مخاطر التضخم باتت مائلة للأعلى بسبب حرب إيران. CNBC
الذهب معدن لا يُدرّ فائدة.
وحين ترتفع عوائد السندات، يصبح المستثمر أمام سؤال عملي:
لماذا أحتفظ بمعدن لا يعطيني شيئاً، بينما السند الأمريكي لعشرين عاماً يتجاوز عائده الـ5%؟
هذا هو المنطق الذي يحرّك السوق الآن، لا مجرد أخبار الحرب.
ثالثاً | الفضة.. ضربتان في آن واحد
الفضة خسرت أكثر من الذهب، وهذا ليس مصادفة.
الفضة معدن مزدوج الطبيعة: هي في الوقت ذاته معدن ثمين كالذهب، ومعدن صناعي يدخل في التصنيع والطاقة الشمسية والإلكترونيات.
الفضة سجّلت تراجعها الأسبوعي الثالث على التوالي بخسارة تجاوزت 14%، ومحت مكاسبها لعام 2026. CNBC
حين تشتعل الحرب وتتراجع توقعات النمو الاقتصادي، تتراجع معها احتمالات الطلب الصناعي.
فتُضرب الفضة من ناحيتين في وقت واحد:
من ناحية ارتفاع الفائدة الذي يضغط على المعادن الثمينة،
ومن ناحية المخاوف على النمو التي تضغط على المعادن الصناعية.
هذا ما يفسّر لماذا كانت تصرفات الفضة أشد وطأة من الذهب في كل موجة بيع.
رابعاً | الهروب نحو الكاش
ثمة ظاهرة أعمق وأكثر إثارة للاهتمام تجري في الخفاء.
ما يجري في المعادن الثمينة الآن يشير إلى أن البنوك المركزية ودول الخليج تلجأ إلى احتياطياتها الذهبية.
التركيز انتقل من مرحلة التراكم إلى مرحلة الحفاظ على رأس المال. CNBC
هذه الجملة تحتاج أن تقرأها مرتين.
خلال السنوات الماضية، كانت البنوك المركزية تشتري الذهب بلا توقف.
الآن، في لحظة الأزمة الحقيقية، بعضها يبيع ما جمعه لتوفير السيولة النقدية اللازمة لمواجهة تبعات الحرب.
الذهب ليس مجرد أصل للتحوط، بل يصبح وقود السيولة حين يشتد الضغط.
قسم من المستثمرين اضطر لبيع مراكزه في المعادن الثمينة لرفع السيولة النقدية، فيما يضخ آخرون أموالهم في قطاعات تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة. Yahoo Finance
هكذا تعمل الأسواق في الأزمات الحقيقية: الجميع يبيع ما يستطيع، لا ما يريد.
خامساً | صعود الدولار وتراجع المعادن
اتجاه الذهب الآن يتحدد من خلال ثلاثة عوامل متداخلة:
العائدات الحقيقية، وقوة الدولار الأمريكي، والمخاطر الجيوسياسية، وليس عن طريق الصراع وحده. Business Today
الدولار قوي بشكل لافت. وحين يقوى الدولار، تصبح المعادن المسعّرة به أغلى على المشترين في بقية العالم، فيتراجع الطلب، وينخفض السعر.
هذه المعادلة ليست جديدة، لكننا نراها تعمل بوضوح شديد في المشهد الراهن.
سادساً | أين نحن الآن وما الذي يأتي؟
اليوم، أعطى ترامب إشارات لتهدئة محتملة في الصراع مع إيران، بعد مباحثات وصفها بـ”المثمرة والإيجابية”، وأعلن عن تأجيل الضربات على منشآت الطاقة الإيرانية. CNBC ردّت الأسواق بانتعاش سريع، والذهب تعافى بعض خسائره.
لكن السؤال الحقيقي ليس عن اليوم أو الأسبوع القادم.
التوقعات على المدى البعيد لا تزال إيجابية.
جي بي مورغان يتوقع أن يبلغ الذهب 6,300 دولار بنهاية 2026، فيما يتمسك دويتشه بنك بهدف 6,000 دولار. CNBC
الدولار القوي وعوائد السندات المرتفعة تشكّل عاملَي ضغط رئيسيّن، لكن التقديرات الأساسية للذهب على المدى البعيد لم تتغير. CNBC
يعني ذلك أن ما نشهده قد يكون تصحيحاً عنيفاً في مسار صعودي أطول.
والفرق بين من يخسر ومن يربح في هذه المرحلة هو: من يفهم الصورة الكبيرة، ومن يتفاعل مع تصاريح اليوم.
الخاتمة | الدرس الذي يتكرر
الحروب لا تسير بمنطق مستقيم في الأسواق.
النفط يرتفع بسبب إيران، لكن الذهب يتراجع بسبب النفط نفسه. الفضة تنهار رغم أن العالم يحتاجها للطاقة الشمسية أكثر من أي وقت مضى. والبنوك المركزية تبيع ما جمعته بصبر لسنوات لأنها تحتاج السيولة الآن.
الأسواق تعمل بتشابك من العوامل لا يُختزل في عنوان واحد.
ما أعرفه:
أن الذهب حين يتراجع بهذه الحدة في مشهد لا يزال مليئاً بالغموض، فهذه ليست نهاية القصة.
الأسواق تصنع الفرص دائماً في عز الأزمات. لكن هذه الفرص لمن يفهم القواعد، ولمن يملك الصبر.
تابعني في منصة إكس على @mhmd7sn لمتابعة تحليلات أعمق لمعادن الثروة والأسواق العالمية.


